ارتفاع الأسعَار في تونس: قراءة اقتصادية في الأسباب

ارتفاع الأسعَار في تونس: قراءة اقتصادية في الأسباب 

سمية معمري

موقع المفكرة القانونية  30 افريل 2026

لم تُفَعِّل الحكومة إلى حدّ الآن الزّيادة في الأجور التي نَصَّ عليها قانون الماليّة للسّنة الحاليّة، وذلك رغم مرور خمسة أشهر على بداية العام. ويَقضي هذا القانون بالتّرفيع في أجور العاملين في القطاعين العام والخاصّ خلال السّنوات 2026 و2027 و2028. ويُعَدّ هذا الإجراء آخر مسمار في نعش الحوار الاجتماعي مع الاتحاد العام التونسي للشغل، لأنّ مفاوضات الأجور تُشكّل ركيزته الأساسيّة.

كما لم تُحدّد الحكومة نسبة الزّيادة ووَسَّعت تطبيق هذا الإجراء ليَشمل القطاع الخاصّ، رغم أنّ قانون الماليّة لا يختصّ أصلا بتنظيم الأجور في هذا القطاع، وهو ما يمثّل تجاوزا لدور كلّ من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية. وإلى حدّ الآن، لم يتمّ إصدار الأمر الحكومي المتعلّق بضبط الزّيادة وتفعِيلها، في حين تعدّدت التصريحات غير الرسميّة التي ترجّح صدوره في غرّة ماي، تزامنا مع عيد العمّال. ويستند هذا التوقّع إلى قراءة في أسلوب رئيس الجمهوريّة الذي يوظّف الرمزيّات السياسيّة لمركزة الفعل السّياسي وإعادة تشكيل موازين الفاعلين بما يفضي إلى تهميش منافسيه.

تعتمد السلطة نهجًا غامضًا بخصوص تفعيل الزّيادة في الأجور، في وقت يشهد فيه الوضع المحلّي ارتفاعًا ملحوظا في أسعار المواد الغذائية الأساسيّة، إلى جانب اضطرابات في التزوّد ببعض السّلع. ويتزامن ذلك مع سياق اقتصادي عالمي يتّسم بعدم اليقين منذ اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، وما ترتّب عنها من ارتفاع في أسعار المواد الأولية نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وتزايد المخاطر الجيوسياسيّة. ورغم ذلك فإن تقلبات السوق المحلية تبقى مرتبطة أساسًا بمنتجات فلاحية داخلية لا تتأثر مباشرة بأزمة الإمداد العالمية. غير أن تداعيات الوضع الدولي ستنعكس سلبًا على حجم الزيّادات المنتظرة في ظل الضغوط الماليّة التي تواجهها الدولة، بخاصة في ظلّ صدمة النّفط. ومن المرجحّ ألا تُغَطّي هذه الزّياداة معدّل التضخّم -على غرار السّنوات الماضية- ما يعني استمرار انهيار القدرة الشّرائية للأسر.

التضخّم يلتهم القدرة الشرائيّة 

لماذا لا تَتَنَاسب الزّيَادة في الأجور مع المقدرة الشّرائيّة؟ يُعبّر هذا السّؤال عن علاقة عكسيّة غير مفهومة بالنّسبة للتّونسيّين الذين يرون تراجعًا متواصلا في قدرتهم على الاستهلاك بالرّغم من الزيادة السّنوية -النسبيّة- للرّواتب. والسّبب في هذا، هو أن القدرة الشّرائيّة تتحدّد بما يمكن شراءَه فعليّا بالدّخل الحقيقي وليس بالدّخل الاسمي (حجم الدّخل بالأرقام دون إزالة أثر التضخّم). يُمثّل التضخّم في تونس العامل الأوّل لتآكل القدرة الشّرائيّة، والذي لم ينزل منذ 2012 تحت سقف الـ5%، ولكن عمليّة التّآكل هذه ستشهد ذروتها في سنة 2020 بسبب تراجع مداخيل الأسر (جميع أنواع المداخيل) بـ 12% في مقابل ارتفاع كلّي للأسعار بـ5.6%. وبداية من 2022 ستتطوّر نسبة التضخّم بنسق يتجاوز نسبة تطوّر الدّخل الأسري.

في الفترة الممتدّة بين 2018 و2024، تُقدّر خسارة القدرة الشّرائيّة المقاسة من خلال تطوّر الدّخل الحقيقي للأسر للفرد الواحد، بحوالي 8%. وتعود هذه الخسارة إلى عاملين رئيسيين: من جهة تراجع الدّخل الحقيقي تحت تأثير التضخّم بما يعادل 3 نقاط، ومن جهة أخرى تأثير النموّ الدّيمغرافي الذي يفسّر الـ5 نقاط المتبقيّة. ما يعني بشكل مبسّط أنّ القدرة على الاستهلاك تراجعت بسبب ارتفاع الأسعار أكثر من الدّخل، وبسبب تراجع نصيب الفرد من الدّخل نتيجة النموّ الدّيمغرافي.

وتعدّ الأسر التي تعتمد على الأجر كمصدر وحيد للدّخل الأكثر تضرّرا من هذا التقلّص، وذلك لأنّ نسبة التضخّم ارتفعت بوتيرة أسرع من نموّ الأجور. وخلال الفترة 2018-2024، تجاوز التضخّم مستواه التّاريخي الذي كان لا يتعدّى 5% سنويّا، ليتراوح بين 5.7% و9.3% كمعدّل سنوي، في حين ظلّت الزيادات في الأجور المتفاوض عليها في حدود 5% سنويّا. وقد أدّى هذا الفارق -الذي يُقدّر بحوالي نقطتين سنويّا لصالح التضخّم على حساب الأجور على مدى 7 سنوات- إلى تكبّد الأجراء خسارة تراكميّة في قدرتهم الشّرائيّة تُقَدّر بحوالي 14 نقطة بين نموّ التضخّم ونموّ الأجور.

وحافَظَت نسبة التضخّم على مستواها المرتفع بـ5% خلال شهر مارس الماضي رغم أنّه تزامن مع موسم التّخفيض الشّتوي. وهناك اعتقاد راسخ بأنّ التضخّم الحقيقي المُعَاش أعلى من التضخّم الرّسمي بسبب اعتماد المعهد الوطني للإحصاء على المسح الوطني حول الإنفاق والاستهلاك لسنة 2015، في حين أنّه مطالب بتحيينه كلّ 5 سنوات. ويبقى نسق تطوّر أسعار الموادّ الغذائيّة أعلى من المعدّل العامّ ليبلغ 6.8%، تحت مفعول ارتفاع أسعار الخضر والغلال واللّحوم. ومنذ 2012 تُعاني البلاد من التضخّم المستمرّ الذي ما انفكّ يُضعف القدرة الشّرائيّة للعملة المحليّة، ولم نشهد أيّة مقاربة اقتصاديّة لمكافحته. إذ ظلّت السّلطات تتعامل مع التضخّم باعتباره تضخّما نقديّا ظرفيّا ناتجا عن ارتفاع المعروض النّقدي، لذلك اقتصرت مواجهته من قبل البنك المركزي من خلال آليّة التّرفيع في سعر الفائدة.

وتُحيل جميع المؤشّرات إلى أنّ الاقتصاد التّونسي يُعاني من تضخّم هيكليّ ليس نتيجة صدمات مؤقّتة وإنّما نتيجة اختلالات عميقة في الجهاز الإنتاجي، إذ يمرّ الاقتصاد منذ سنوات بأزمة عرض (العرض أقلّ من الطّلب) تَتَرجَم في الاضطراب المستمرّ لتزويد السّوق بعدّة سلع؛ فقد شهد الإنتاج المحلّي في عدّة موادّ تراجعا أو استقرارا لا يتماشى مع متطلّبات النموّ الدّيمغرافي. إلى جانب ذلك توجد عوامل إضافيّة تُساهم في اختلال العرض على غرار التّهريب عبر الحدود البريّة، غير أنّ إشكاليّة مسالك التّوزيع تبقى المعضلة الرّئيسيّة، والتي تبدو أبسط من عجز الدّولة المتواصل على حلّها. فعلى سبيل الذّكر لا الحصر تَحَوّلَت أسواق الجملة التي أنشِئت بغرض ضبط أسعار المنتوجات الفلاحيّة والبحريّة إلى أحد العوامل المساهمة في ارتفاعها بسبب سوء التّنظيم والوساطة المفرطة والسّمسرة، وتُشير التقديرات بأنّ أكثر من 50% من الإنتاج الزّراعي يُسَوَّق خارج المسالك الرّسميّة.

تؤدّي كلّ هذه العوامل إلى اضطراب في العرض يُقابِله انحسار قدرة للدّولة على التّعديل، بل إنّ تدخّلها يقتصر في معظم الأحيان على آليّة تحديد الأسعار، والتي لا يتمّ تطبيقها على الأغلب بسبب عدم ملاءمتها لكلفة الإنتاج أو لعدم توفّر المنتوج أصلا. كلّ هذه العوامل تُساهم في تضخّم مزمن في سلّة الغذاء، وهو ما يترجم في ارتفاع الإنفاق على الموادّ الغذائيّة. فوفق المسح الوطني حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر لسنة 2021، تَجاوزَ مستوى الإنفاق الأسري على الغذاء والشّراب (بدون الموادّ الكحوليّة) ثلث الإنفاق الجملي للأفراد ليبلغ 30.1%، ويحتلّ بذلك صدارة التّرتيب من حيث مجالات الإنفاق، فعلى سبيل المقارنة يبلغ معدّل الإنفاق على الغذاء في الاتّحاد الأوروبّي 11.9% من مجمل الإنفاق. وتُوجد علاقة عكسيّة بين حصّة النّفقات الغذائيّة والرّفاهيّة، يعني أنّه كلّ ما ارتفعت هذه الحصّة كل ما تدهوَرَ مستوى عيش الأسر. وهو ما يؤكّده عدم تطوّر الإنفاق الأسري بالأسعار القارّة (المعالج من أثر التضخّم) بين 2015 و2021، وهذا الرّكود على مستوى الاستهلاك يعكس ضعف الإنتاج ضمن حلقة انكماشيّة تجدّد نفسها.

ويَعمل المعهد الوطني للإحصاء حاليّا على تحديث المسح الوطني للإنفاق، والذي من المُرَجّح أن يُسَجّل تراجعا في الإنفاق الأسري الحقيقي بسبب المستويات التّاريخيّة التي شهدها التضخّم بداية من سنة 2022، وَبسبب تقلّص القدرة الشّرائيّة. وتَشهد هذه الأخيرة ضغوطًا إضافية غير مرئيّة ترتَبط بانتشار واسع لظاهرة “الانكماش التضخّمي” أو “التضخّم الخفيّ” من خلال تقليل وزن المنتج أو تغيير محتواه بتقليل جودته مع المحافظة على سعره على نحو لا يبدو محسوسا للمستهلك.

رغم اعتماد سياسية نقديّة مشدّدة منذ أكثر من 10 سنوات، لم تسترجع تونس مستوى التضخّم المستهدف الذي يحوم حول 3 %، لأنّ الظّاهرة تعود لعوامل اقتصاديّة متداخلة. وهو ما يؤكّده الارتفاع القياسي للكتلة النقديّة المتداولة في مدّة قصيرة؛ حيث بلغت 27.9 مليار دينار يوم 24 أفريل المنقضي أي بزيادة بـ 4.4 مليار دينار مقارنة بنفس الفترة من السّنة الماضية، دون أن يقابل ذلك ارتفاع موازي للتضخّم، وعلى الأرجح تعكس هذه القدرة على الامتصاص نُقصًا للسّيولة في الاقتصاد.

وتتمثّل أهمّ العوامل المولّدة للتضخّم في تونس في اضطراب العرض والعيوب المرتبطة بالسّوق وضعف القدرة التنظيمية والتعديليّة للدّولة، بالإضافة إلى أثر التضخّم المستورَد نتيجة تراجع قيمة الدّينار. تطرح هذه الوضعيّة المختلّة الحاجة إلى سياسة اقتصاديّة تعالج الأسباب الهيكليّة للتضخّم، والّذي يعتبره عديد الاقتصاديّين بمثابة ضريبَة غير مباشرة أو خفيّة، لأنّه يلتَهِم القوّة الشّرائية للدّخل ويشتغل بشكل تنازلي، أي أنّ أكثر من يتضرّر منه هم الأقلّ دخلا، وهذا ما يؤكّده ارتفاع مؤشّر الفقر من 16.6% سنة 2021 إلى 18.4% سنة 2023، وفق دراسة أشرفت عليها اليونيسيف حول “تأثير التضخّم على الفقر في تونس بين 2021 و2023”.

تراجع القدرة الشّرائيّة نتيجة تقلّص الدّخل

حَافظَت تونس على موقعها ضمن فئة الدّول ذات الدّخل المتوسّط ​​الأدنى ضمن التّصنيف السّنوي الذي يُصدره البنك الدّولي، وفي تحديث للعام 2025 بَلغَ نصيب الفرد من الدّخل القومي الإجمالي حوالي 3840 دولارا أمريكيّا في سنة 2024. ويتوافق هذا النّطاق مع التّصنيف الذي حدّده البنك الدولي والذي يتراوح بين 1136 و4465 دولارا أمريكيّا للفرد سنويّا، وبذلك تحتلّ تونس المرتبة 132 عالميّا من حيث إجمالي الدّخل القومي للفرد. وتجدر الإشارة إلى أنّ تونس تراجعَت إلى هذه الشّريحة منذ 2015، بعد أن كانت ضمن الدّول ذات الدّخل المتوسّط الأعلى في سنة 2014، حيث كان نصيب الفرد يبلغ 4310 دولارا.

يتوافق هذا التّراجع مع الرّكود الذي شهده الإنفاق الأسري، وكذلك مع التّدهور العامّ للخدمات العامّة، وبذلك أصبح الشّعور العامّ بالتّفقير وبتدَهور المستوى المعيشي يمثّل حالة موضوعيّة تعيشها الأسر التّونسيّة. وبات الواقع الاقتصادي على نقيض الصّورة التي تصدّرها المنظومة الشعبويّة الحاكمة. فوفق الحسابات القوميّة للمعهد الوطني للإحصاء بلغ الدّخل القومي الإجمالي المتاح في سنة 2024، 166.7 مليار دينار، ويمثّل هذا المؤشّر القيمة الإجماليّة للدّخل المتاح فعليّا للدّولة للاستهلاك والادّخار، ويُعتَمَد كمقياس لرفاهيّة الدّول لأنّه يعكس القدرة الشّرائيّة الحقيقيّة للاقتصاد ككلّ، لأنّه يُؤخَذ بعين الاعتبار -إلى جانب النّاتج الإجمالي المحلّي- صَافي مداخيل العمل ورأس المال من الخارج وصافي التّحويلات الجارية.

رغم ارتفاعه الكمّي النّاتج أساسا عن تحويلات المغتربين ظلّ الدّخل القومي الإجمالي المُتَاح يتآكل بفعل تنامي حصّة المدفوعات نحو الخارج سواء في شكل تحويل أرباح وفوائد المستثمرين الأجانب أو نتيجة ارتفاع خدمة الدّين العمومي. فمن جهة تُمثّل تحويلات الإستثمار الأجنبي المباشر نزيفًا مستمرًّا للعملة الصّعبة، حيث لا يُعاد استثمار جزء مهم من الثروة المنتجة محلّيّا داخل الاقتصاد الوطني، بل يُحَوّل إلى الخارج. ومن جهة أخرى، أدّى التوسّع في الاقتراض المكلف ومزيد الاقتراض الدّاخلي بالعملة الصّعبة إلى استنزاف موارد الدّولة وتثبيت التقشّف. وهكذا، بقدر ما ترتفع هذه المدفوعات إلى الخارج بقدر ما يتقلّص نصيب الاقتصاد الوطني من الثّروة المنتجَة، وهو ما ينعكس سلبا على الدّخل الحقيقي للأسر وعلى قدرتها الشرائيّة. وبذلك نجد أنّ تحسّن المؤشرات الكمية لا يُترجَم بالضّرورة إلى تحسّن فعلي في مستوى المعيشة، في ظلّ اقتصاد يعاني من تسرّب جزء مهمّ من موارده نحو الخارج.

إلى جانب ذلك، تؤدّي الاقتطاعات الاجباريّة للدّولة إلى تقليص الدّخل الصّافي المتاح للأسر، وخاصّة للأجراء التي تعدّ في تونس الفئة الأكثر انضباطا ضريبيّا والتي تخضع لضغط ضريبي في حدود 30%، كما تخضع هذه الفئة إلى اقتطاعات اجتماعيّة متزايدة إثر اعتماد المساهمة الاجتماعيّة التضامنيّة. ورغم هذه الاقتطاعات، والتي تمثّل حوالي 20% من الدّخل القومي المتاح، تُعاني الأسر من رداءة الخدمات العموميّة ومن عدم توفّر جزء مهمّ من الأدوية. وإذ تَحدّ الاقتطاعات من الدّخل الفعلي فإنّ تدهور المرفق العامّ يدفع الأسر نحو القطاع الخاصّ، وهي عوامل إضافيّة تُقلّص القدرة الشّرائيّة.

ويظهر توزيع الدّخل القومي الإجمالي المُتَاح نسقًا متصاعدا للاّمساواة، فقد تراجعت حصّة مداخيل العمل ضمن مداخيل الأسر من 57% سنة 2021 إلى 55% سنة 2024، لفائدة مداخيل رأس المال، وهو ما يعكس تزايدا في اللاّمساواة باعتبار أنّ الأجراء يتمركزون أساسا ضمن الفئات الدّنيا من الدّخل. وللإشارة يبلغ معدّل الأجور في تونس وفق آخر مسح متوفّر في سنة 2022، 924 د، ويتميّز بتفاوت ملحوظ بين العمال والكوادر وبين القطاعات، إذ يبلغ معدّل الأجور في قطاع الماليّة والتّأمين والذي يحتلّ الصّدارة 2605 د، بينما يبلغ في قطاع التّعليم الذي يحتلّ أسفل التّرتيب 792 د.

لقد أدّت الضّغوطات على الدّخل إلى تراجع الادّخار الوطني الإجمالي من 13.5 مليار دينار سنة 2021 إلى 9.4 مليار دينار سنة 2024، كما انخفضت نسبته من الدّخل الإجمالي من 9.8 % إلى 5.7%، ويعكس ذلك زيادة حصّة الإنفاق على الاستهلاك تحت تأثير التضخّم، ممّا قلّص القدرة على الادّخار وأثّر سلبا على الاستثمار، حيث أصبحت الدّولة تُعوّل بشكل شبه كلّي على الاستثمار الأجنبي المباشر. وعلى مستوى الأسر، ارتفع الاستهلاك الخاص بنسبة 9.6% سنويّا بين 2021 و2024، مقابل نمو الدّخل بنسبة 6.7% فقط، ويُبيّن هذا مدى تدهور القدرة الشرائية.

ونتيجة لذلك، تراجع معدل ادّخار الأسر من 8.6 % إلى 2.5 % من الدّخل. وقد تمّ تغطية الفارق بين نموّ الاستهلاك والدّخل عن طريق الدّيون، حيث ارتفعت مديونيّة الأفراد بـ11%   بين 2021 و2024. وكانت قروض الاستهلاك الأعلى نموّا بـ 25%، بينما ارتفعت قروض السّكن بنسبة 8 % وبنفس النّسبة فيما يتعلّق بقروض السّيّارات، مع تسجيل ارتفاع في القروض غير المسدّدة. وتعكس هذه المؤشّرات انحصار قدرة الأسر على الاستثمار في الأصول الثّابتة وانعكاس ذلك على التّرفيع في كلفة الكراء والنّقل، هذا دون اعتبار قنوات التّداين غير الرّسميّة والدّيون المثقلة لدى كلّ من “السّتاغ” “والصّوناد”. تعكس مجمل هذه المؤشّرات المعاناة الحقيقية التي تعيشها الأسر التونسية في تأمين حاجياتها الأساسيّة، كما تكشف عن تدهور فعلي ومتسارع في جودة الحياة. وفي خضم هذا الوضع، يواصل رئيس الجمهورية توجيه جزء من ثروة البلاد ومواردها الإدارية واللوجستيّة نحو الشركات الأهليّة: “المشروع” الذي وُلِدَ مَيّتًا.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Retour en haut