إضراب المَناجم: اتحاد الشغل في مواجهة السلطة 

إضراب المَناجم: اتحاد الشغل في مواجهة السلطة 

خالد طبابي

موقع المفكرة القانونية 2 سبتمبر 2026

خلال أيام 1 و2 و3 سبتمبر 2026، يَشنّ أعوان وإطارات شركة فسفاط قفصة والشّركة التونسية لنقل المواد المنجمية إضرابا عن العمل بكافّة مواقع العمل الراجعة بالنظر للمؤسّستيْن. ويأتي هذا الإضراب في سياق تَدَهور اجتماعي واقتصادي لعمّال وإطارات المناجم، وفي مناخ سياسي يَتّسِم بتصاعد السلطوية، ورفض السلطة السياسية الحوار الاجتماعي مع الاتحاد العام التونسي للشغل. كما تم سجن بعض المسؤولين السابقين بشركة فسفاط قفصة. وخلال العام 2026 لَقيَ ثلاثة عمّال حتفهم في مواقع الإنتاج، وفي مغاسل الفُسفَاط.

كما تتساوق هذه المعركة العمالية مع تصاعد وتيرة الصراع بين النقابات والسلطة السياسية، حيث شرعت بعض الاتحادات الجهوية -من بينها الناشطة في جهة صفاقس إحدى أهم المعاقل النقابية- بإصدار بلاغات تُحمّل فيها “سلطة 25 جويلية” المسؤولية المباشرة عن الأوضاع المتدهورة التي تمرّ بها البلاد. وانطلاقا من شهادات النقابيين يشرَح هذا المقال الأسباب التي أدّت إلى قرار الإضراب، والطريقة التي تتعامل بها السلطة السياسية والإدارة مع العمّال والنقابات، وأثر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية على قطاع المناجم وعلى العمال ومنطقة الحوض المنجمي بشكل عام.

التنكّر للاتفاقيات السابقة ومُعاناة العمّال: عوامل أدّت إلى الإضراب

يأتي الإضراب العمالي مسبوقا بعدة عوامل؛ من بينها تنكّر شركة فسفاط قفصة ووزارة الصناعة والطاقة والمناجم، وكذلك السلطة السياسية الحاكمة، لبعض الاتفاقيات السابقة المبرمة مع النقابات. يَقول علي صويلحي، كاتب عام مساعد نقابة المصالح الخارجية بمنطقة الرْدَيّف المنجمية، للمفكرة القانونية: “تقرّرَ هذا الإضراب بعد لائحة مهنية وإثر مجلس قطاعي انعقد بالاتحاد الجهوي لللشغل بقفصة بتاريخ 30 جوان 2026. تضمّنت اللائحة تقريبا 90% من اتفاقيات قديمة وقعَ الاتفاق حولها في محاضر رسمية مع الإدارة والسلطات. فعلى سبيل المثال، في يوم 5 جويلية 2025، وفي مقر وزارة الشؤون الاجتماعية، تمّ الاتفاق أثناء محضر اجتماع اللجنة المركزية للتصالح على عديد النقاط، ولكن تقريبا تم تنفيذ نقطتين أو ثلاث من جملة النقاط المتّفق عليها”.

 

ويُذكر أن المطالب التي تُدافع عنها النقابة التابعة لاتحاد الشغل ليست بالمطالب الجديدة، وإنما هي مطالب مهنية قديمة تحاول استرجاعها باستمرار حفاظًا على سلامة وكرامة الأعوان والإطارات. وفي هذا السياق، يضيف صويلحي: “باستثناء مطلبين أو ثلاثة مطالب جديدة، فإنّ كل مطالباتنا هي في الأصل قديمة، بل هي حقوق كنّا نتمتع بها في السابق كعمّال مناجم، ولكن اليوم لم نعد نتمتع بتلك الحقوق. مثل التسبيقات الاستثنائية، وهي منحة تُقدّمُها الإدارة للعمال الذين لديهم وضع عائلي خاص، مثل حالات استعجالية أو مرض، ويمكن للعامل أن يتحصل على هذه المنحة في ظرف 24 ساعة أو 48 ساعة في أقصى التقدير. أيضا نطالب بأبسط الأشياء وهي الالتزام بمنحة الزيادة في الأجور التي أقرّها رئيس الجمهورية التونسية نفسه منذ أشهر، حيث أن قطاع المناجم لم يتمتّع إلى حدّ هذه اللحظة بالزيادة في الأجور، ولا نعرف السبب في ذلك”.

إنّ بناء جدران عازلة مع الحركة النقابية والتنكّر للمطالب الاجتماعية عوامِل تُيسّر تنامي شعور الأعوان والإطارات بالغبن والحرمان، خاصّة وأن العمّال صاروا عرضةً للموت في مواقع العمل. تقول ريم هلال، الكاتبة العامة لجامعة المناجم للمفكرة القانونية: “نخوض إضرابنا في وضع استثنائي، حيث فقدنا في سنة 2026 تقريبا ثلاثة عمال لَقُوا حتفهم في مقاطع ومَغاسل الفسفاط. ففي فضاءات العمل لا نعثر على الحد الأدنى من حقوق العمّال، وصرنا نتخوف من استقبال أخبار الموت. فمع المُعدّات المهترئة وغياب السلامة المهنية، أتوقع أن هناك حوادث مميتة أخرى ستندلع في مواقع الإنتاج أو في مغاسل الفسفاط، رغم أنني لا أتمنّى هذا بطبيعة الحال”. ويتفق المختصّ في التنمية والتصرف في الموارد البشرية حسين الرحيلي مع هذا الهاجس قائلا: “أمام تآكل وتراجع وقِدم آليات الإنتاج بشركة فسفاط قفصة، فإن هذه الآليات تُصبح خطرا على كل العماّل بمختلف أصنافهم”.

 

في السياق نفسه، يضيف علي صويلحي: “في الحركة النقابية أكثر شيء يهمّنا هو التقليص من معاناة العمّال، وإيمانا منّا بأنّ العامل هو الحلقة الأولى والأهم في سلسلة الإنتاج فلا يمكن الترفيع في نسق الإنتاج في ظرفية لا يتمتع فيها العامل المنجمي بأبسط حقوقه، إذ أنه غير مهيّأ مهنياً، ومُرهق نفسيّاً، حيث لا توجد ظروف عمل لائقة وسلامة مهنية، خاصة وأنّ الفترة الأخيرة قد شهدَت حوادث شغل قاتلة. هنا كان من المفروض أن تُراجِع الشركة حساباتها وتُراجع منظومة السلامة المهنية”.

إنّ التنكر للاتفاقيات الاجتماعية القديمة التي أبرمتها الدولة مع النقابات والعمال، وعدم توفر شروط السلامة المهنية بما يهدد حياة العديد من العمال، تظلّ عوامل تغذي باستمرار النشاط الاحتجاجيّ. في هذا السياق، يقول المختصّ في التنمية حسين الرحيلي للمفكرة القانونية: “أمام انسداد أفق الحوار والنقاش وعجز الشركة على الالتزام بما أمضت عليه في اتفاقيات قديمة وجديدة، فإن قطاع الفسفاط يدخل في مرحلة جديدة من النضال، وبهذا فإن الاتحاد العام التونسي للشغل، ورغم الوهن الذي أصابه، وتحت ضغط الطبقة الشغيلة، سيواصل النضال حماية لمصالح العمّال وحماية ظروف عملهم وصحّتهم، وخاصة شروط العمل اللائق التي بدأت تتدهور بشكل كبير في الحوض المنجمي، وفي المناجم السطحية، وفي مغاسل الفسفاط”.

غلق باب التفاوض يجعل الإضراب حتمياً

إنّ التّجاهل الذي تُبدِيه الإدارة العامة لشركة فسفاط قفصة والسلطة السياسية لمطالب الأعوان والإطارات والإصرار على عدم التفاوض مع النقابات كسياسة رسمية وحيدة للنظام الحالي، جعلت الإضراب مساراً حتميّاً. في هذا السياق، تُضيف ريم هلال الكاتبة العامة لجامعة المناجم: “بتاريخ 30 جوان 2026، انعقد المجلس القطاعي للمناجم في دار الاتحاد الجهوي للشغل بقفصة، وأصدرنَا لائحة تتضمن بعض النقاط التي تتعلق بديمومة الشركة ووضعيتها المالية والنقاط المهنية الأخرى، حيث ندرك جيّدا أنّ الشركة ليست في أفضل ظروفها الماديّة. وعلى إثر البلاغ، اتّصلت بنا الإدارة العامة وقرّرت جلسة تفاوض يوم 6 أوت 2026 بتونس العاصمة، على اعتبار أن المدير العام لشركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي غير قادر على التنقل لولاية قفصة، رغم معرفته الجيّدة بأن أغلب نقابات المناجم تتمركز في قفصة. وبتاريخ 5 أوت 2026، لمّا تنقّلَ الوفد النقابي من ولاية قفصة إلى تونس العاصمة، أعلمتنَا الإدارة العامة في المساء نفسه بإلغاء الاجتماع المقرر من دون معرفة الأسباب، ولم نتلقَّ أيّ اتصال من أيّ جهة رسمية لتبرير الممارسة التي وقعت، والتي نعتبرها استهدافاً لكرامة الأعوان وللطرف النقابي. ومع هذا لم نصدر بلاغ الاضراب يوم 6 أوت الذي كان مقررا للتفاوض الاجتماعي، وقلنا لنتريث قليلا، وصولا إلى يوم 13 أوت، حيث أصدرنا بلاغ الإضراب، وفيما بعد برقية الإضراب التي تتضمن اللائحة المهنية”.

من جهته، يعتبر النقابيّ علي صويلحي بأنّ إلغاء التفاوض هو إهانة للعمال، وأن هذا القرار سياسيّ وليس إدارياً، ويقول في هذا الشأن: “في يوم 5 أوت 2026، تنقّلت رفقة الإخوة النقابيين من الرديف وولايَة قفصة نحو تونس العاصمة لإجراء المفاوضات في اليوم الموالي. وبحكم الضائقة المالية التي يمرّ بها الاتحاد العام التونسي للشغل، التزمت إدارة شركة فسفاط قفصة بتحمّل مصاريف إقامة الوفد النقابي ليلة واحدة، وهي ليلة 5 أوت. ومع وصولنا إلى تونس العاصمة، تمّ إعلامنا بأن الإدارة قد ألغَت الحجز المتعلّق بالإقامة، ومع هذا قرّرنا أن نقيم على حسابنا المالي عبر وضع فرضيّة أنّ الشركة لم تجد الصيغ القانونيّة للتكفّل بإقامة الوفد النقابي. ولكن بعد ذلك، سرعان ما تمّ إعلامنا بإلغاء الجلسة برمّتها، وهذا القرار هو قرار سياسيّ وليس إدارياً. وهنا يمكن قياس تعامل السلطة السياسية مع عمّال المناجم. وبشكل عام، فإنّ الطّريقة التي تتعامل بها السّلطة مع الاتّحاد العامّ التونسي للشغل تعكس حالة من الإهانة والإهمال للأعوان والإطارات”.

 

رغم بحث الحركة النقابية عن حلول لتفادي الإضراب، إلاّ أن سياسة التجاهل سرّعَت في بروز مناخ الصراع. وفي هذا الخصوص، تقول ريم هلال: “بصفتي النقابية، جلست عديد المرات مع الإدارة العامة في شخص المدير العام للشركة، وحاولت إيجاد حلولٍ لتفادي الإضراب، باعتبار الظروف المالية الصعبة التي تمر بها الشركة. كما حاولنا أن لا نُدمج عديد النقاط المالية خلال الجلسة التي كانت من المفترض أن تنعقد بتاريخ 6 أوت. بل كانت أول نقطة هي الوضعية المالية للشركة والحفاظ على ديمومتها. وكنّا حريصين على أن نعقد جلسة أخرى خلال جانفي 2027 منتظرين التعافي المالي للشركة. ولكن إلغاء الجلسة بتاريخ 6 أوت من دون أي احترام للطرف النقابي ولا للعمّال والإطارات، هو الأمر الذي عبّد الطريق نحو إقرار الإضراب العمالي”. وفي السياق نفسه، يُضيف المختص في التنمية حسين الرحيلي: “عندما تُغلق الإدارة والسلطة السياسية الحوار مع الطرف الاجتماعي، ستنَاضل النقابة من أجل فرض حقوق العمّال”.

وهكذا فإنّ عدم التحاور مع المنظمة النقابية يُغذي شعور العمال بالمظلومية والحُقرة (الاحتقار) التي تُصبح إحدى محفزات اتخاذ قرار الإضراب. وهنا يكون مفهوم “الحُقرة” مُحَدّدًا في بروز الفعل الاحتجاجي، وهو “النقيض الأمثل لمفهوم الكرامة والاحترام والمساواة”.[1]

أزمة المؤسسة المنجمية: أزمة بنيويّة تُعالِجها السلطة بالاستبداد والشعبوية

لم تَستَطِع سلطة 25 جويلية 2021 وضع حدّ للأزمة المحليّة في منطقة المناجم، بل سعَت إلى تقديم إجابات ارتجاليّة وشعبويّة، بخاصة مع انعقاد مجلس الأمن القومي بتاريخ 26 أفريل 2023، حينما وصف رئيس الجمهورية قيس سعيّد الفسفاط بـ “التبر في التراب”، مضيفاً بأنه قد تمّ تشخيص الأوضاع و”لا بدّ للحوض المنجمي أن يعود بريقُه كما كان”.

إنّ هذه الخطابات كانت أشبه بالعبارات الفضفاضة المفصولة عن الواقع، وهي تعبّر عن عجز السلطة السياسية على الإجابة عن الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية، وعدم إدراكها -إلى حد الآن- بأنّ الأزمة بنيويّة ومُزمنة. فقد أشارت قراءات وأبحاث سابقة إلى أن الأزمة في منطقة المناجم ذات منشأ تاريخي  يعود إلى الفترة الكولونيالية، مروراً بتجربة الدولة الوطنية وإصلاحات “التعديل الهيكلي” التي تلتها، ثم تجربة الانتقال الديمقراطي المتعثر بعد سنة 2011، وصولا إلى الفترة الحالية. حيث يقول حسين الرحيلي بخصوص هذا الاستمرار التاريخي والطبيعة الهيكلية لأزمة مؤسسة الفسفاط: “يدلّ هذا الإضراب على أن شركة الفسفاط تمرّ بأزمة هيكلية غير مربوطة بحلول ظرفية. بل هنالك عجز مالي، وتراجع في الإنتاج لمدة 12 أو 13 سنة، وهنالك تآكل للبنية التحتيّة وأدوات الإنتاج، ممّا عمّق مشكل الإنتاج والمشكِل المالي. هذا إضافة إلى الأعباء الاجتماعيّة الإضافيّة التي تتحمّلها شركة فسفاط قفصة، وبخاصة ما يسمّى عمال شركة البيئة والغراسة، وهي تركة من تركات نظام بن علي الثقيلة التي حاولت كل الحكومات بعد سنة 2011 التغافل عنها تحت شعار شراء السلم الاجتماعي”[2].

وبخصُوص الأوضاع الحالية لشركة فسفاط قفصة، يؤكّد النقابي علي صويلحي بأن “الأزمة تحتاج إلى مخطط جذري، وليس مجرد الاعتماد على سياسة القروض لشراء المعدات، فعلى السلطة السياسية أن تُراجع سياستها تجاه الشركة، وأن تَجد لها الحلول باعتبارها المؤسسة الاجتماعية والثقافية والرياضية والاقتصادية الوحيدة بالمنطقة”.

وبحسب الشهادات التي تحصّلنا عليها من عديد النقابيين، فإنّ الشركة لم يعد لها أيّ دور اجتماعيّ محليّ. فخلاَل الأشهر الأخيرة، لم تعد قادرة على تسديد الأجور في وقتها، بل غالبا ما يحصل تأخير بخمسة أو ستة أيام في عملية صرف الأجور. ويشمل هذا التأخير أيضا عمّال وإطارات شركات البيئة والغراسة. وفي هذا السياق، يقول كاتب عام النقابة الأساسية للمنجَم السطحي بالرديف محمد بن مبارك للمفكرة القانونية: “موقفنا كنقابَات هو تحميل سلطة الإشراف ومنظومة 25 جويلية المسؤولية؛ فقطَاع الفسفاط ينهار أمام أنظار السلطة. من جهتنا، حاولنا تقديم التشخيص للأزمة التي تمر بها الشركة للسلطات، لكن هذه الأخيرة لم تستجب. كما أن انهيار الشركة يساوي انهيار الجهة برمّتها. فَشركة الفسفاط هي محور العملية الاقتصادية بمنطقة الحوض المنجمي”.

وفي الختام، يجدر التنويه بأن مناخ التخويف السياسي يلعب دورا كبيرا في الانكماش الاقتصادي لشركة فسفاط قفصة، إذ أن إصدار أحكام بالسجن في حق بعض المسؤولين السابقين في الشركة يُغلق باب الاجتهاد والعمَل والبحث عن حلول، إذ أنه في ظرفية تتسم بتصاعد السلطويّة فإن الخطأ العادي في العمل قد يتمّ تحويله إلى جريمة وتآمرًا على أمن الدولة و”خيانة”.


[1] الحبيب استاتي زين الدين، الفعل الاحتجاجي في المغرب وأطروحة الحرمان النسبي: في الحاجة إلى تنويع المقاربات التفسيرية، عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، عدد 22، المجلّد السادس، خريف 2017، ص 165-186، ص 171.

[2]  من الضروري التأكيد، على أنّ موقف حسين الرحيلي، وكذلك موقف الباحث، لا يعني أننا ضدّ تمتع العمّال بالأجور. فقبل كل شيء فإنّ الأزمة أنتجتها سياسة الدولة قبل سنة 2011 وبعدها ولم تستطع السلطة الحالية فرملتها. فنحن مع عمل يسهم في خلق الثروة، ومع توظيف عمال وإطارات شركات البيئية والغراسة بطريقة محترمة وتحفظ كرامتهم المهنية والمادية

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Retour en haut